محمد غازي عرابي
760
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
للّه حكم كل شيء ، ولهذا بدئت الآية بالقول : وَهُوَ اللَّهُ واللّه الاسم الجامع . [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 71 إلى 72 ] قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَ فَلا تَسْمَعُونَ ( 71 ) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَ فَلا تُبْصِرُونَ ( 72 ) [ القصص : 72 - 71 ] قلنا الليل الروح المحجوب ، ولو أراد اللّه ألا يظهر هذا الروح بالعالم وفي العالم لظل اللّه ليلا سرمدا ، أي روحا صرفا منزها عن التعين ، لكن الألوهية وهي المرتبة التي تلي الوجود الإلهي الصرف اقتضت وجود المألوهين ولهذا خلق العالم الخارجي الذي هو النهار ، فالوجود بين وجود باطن ووجود ظاهر وكلاهما يقتضي الآخر . وقوله : مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ يعني عودة الفرع إلى أصله ، والنفس إلى بارئها ، وهذا واقع في كل يوم وساعة ، فلا ظاهر بلا باطن ، ولا باطن بلا ظاهر ، وكل عملية فكرية هي تذبذب بين العالمين ، واللّه رب العالمين . [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 73 إلى 74 ] وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 73 ) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ( 74 ) [ القصص : 73 ، 74 ] الإنسان ساكن على كل حال سواء في الليل أو في النهار ، وهذا ما فصلنا الكلام فيه في كتابنا الإنسان الكبير ، والإنسان نائم مستيقظ ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا ) . فاللّه هو المقلب ، مقلب الجسم ومقلب النفس ومقلب القلب ، وهذا فحوى سورة الكهف ، وجاء فيها أن اللّه يقلب أصحاب الكهف ذات الشمال وذات اليمين ، فالصلة بين الفكر والحواس ، كما قلنا في كتابنا فتح الوجود غامضة ، وأوردنا خلاصة بحوث العلماء الذين لم يعرفوا إلى الآن كيف ينبه الفكر الحواس والأعضاء ، ولا كيف تصدر الأوامر بواسطة الإشارات الكهربائية من الدماغ إلى الأعضاء ، ولا كيف يتم ترميز المعلومات في الخلايا العصبية ، ولا كيف تنبه هذه المعلومات المرمزة المبرمجة لدى الحاجة من قبل الإنسان ، وقالت الفلاسفة النفس تفعل بواسطة الروح ، فالإنسان يقوم ويقعد وينام ويستيقظ ويأكل ويشرب وينكح ويفكر ، ومع هذا فهو لا يعلم السبب الذي جعل صوفيا يقول : أنت أكل الخبز لا تعرفه - أي لا تعرف سبب أكله - أنت لا تعرف كيف تبول . فالإنسان نازل ضيفا على اللّه ولا يعلم ، واللّه هو المحرك والمقلب والمفكر أيضا في الإنسان ، وهذا ما يكتشفه الإنسان لدى بلوغه اليقين ذوقا وإشراقا وعرفانا ، فيرى الناس جميعا من ثم أصحاب الكهف الأفلاطوني الشهير .